صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

90

حركة الإصلاح الشيعي

تلامذته القدامى على أنه شيخ مثالي ؛ فهو رجل هادئ يعرف كيف يجعل الآخرين يحترمونه ، يجيد فنّ تجويد القرآن ، ولم يكن ذلك متيسرا للجميع ؛ كذلك فإنه كان يدرّس النثر والشعر ويلقي موعظة كلّ يوم خميس قبل أن يصرف الأولاد إلى صباح السبت في عطلة . ويؤكد أحد تلامذته ، أن مدرسته قد طبعت بطابعها جيلا كاملا ، من سنة 1900 إلى سنة 1938 « 75 » . إلا أن شيوخ الكتاب الآخرين لم يتركوا ذكرى طيبة كهذه : فقد بقيت صورة الشيخ محفورة في ذاكرة التلامذة وهو جالس في مواجهتهم أمام طاولة صغيرة يضع عليها كتبه وعصاه ، متحفزا لضرب أول من ينبس بنت شفة ، أو يعلّق على خطأ . وتشهد الأدبيات الكثيرة على الصدمة التي كانت تصيب الكثيرين لدى انتقالهم إلى الكتّاب ؛ وقد روى الكتّاب العامليون ، كالكثيرين غيرهم ، تجربتهم هذه في مذكراتهم ، وعرضوا آراءهم حول طرق التربية التي يجب اتباعها لدى الأجيال القادمة . ويستطرد محسن الأمين في سيرته مطولا في شرح آرائه في موضوع التعليم ، بعد أن يصف العقاب المسمى بالفلقة ، والرعب الذي كان يثيره في نفوس الأولاد ، والطريقة التي كان الشيخ يضرب بها ، والذل الذي كان ينزل بالتلميذ المذنب « 76 » . أما علي الزين ، وهو من جيل أصغر ، فقد أثرّت فيه ، هو أيضا ، الشدّة في هذه الطرق . ويقول إنها كانت قائمة بكاملها على الضغط والضرب ، ولم يكن فيها إرشاد للتلميذ « 77 » . ما كان القصد من الشدّة في هذه الطريقة سوى أن يكون امتحانا لأهلية التلميذ . فقد كان على الطفل منذ دخوله الكتّاب أن ينصاع إلى القانون وأن يتعلم الصبر اللازم لمتابعة مسيرته الطويلة في طلب العلم . فكان يبدأ بامتحان فكري قوامه حفظ نص معقد ومؤلف بلغة صعبة بعيدة عن عاميّة لا يكاد الطفل يعرفها ، ويعالج مواضيع بعيدة عن حياته اليومية . كذلك فإنه يبدأ بامتحان جسدي : فقد كان على الطفل أن ينصهر في قالب الطالب في العلوم الدينية ، وأن يلتزم وضعه وصلابته . وكان عليه ، قبل أن يتلقى الفلقة التي سوف تطبع القانون على جسده بفظاظة ، أن يركع على ركبتيه جالسا على كعبيه وأن يبقى على هذه الحال منتصب الظهر لا يتحرك طوال ساعات الدرس . . . وهي عادة يحتفظ بها العالم طيلة حياته إن تابع درسه . ولم يفت محسن الأمين أن يذكر ما مثله ذلك من صعوبة يوم كان طفلا ، ويروي أنه كان يراجع دروسه بصحبة زميل له أكبر منه سنا ، وكان زميله يبقى على هذا الوضع فلا يميل ولا يدير رأسه ؛ وأنه كان يخجل من نفسه لأنه لم يكن يستطيع مجاراته في ذلك ؛ فقد كان يتخذ هذه الوضعية إلا أن طبيعته الطفلية كانت تغلبه فيعود إلى الجلوس متربعا ومتكئا على إحدى يديه . . . ثم يعود فيركع من جديد « 78 » . وبإمكاننا أن ندرك ،

--> ( 75 ) . المرجع السابق ص 49 - 51 وموسى عز الدين ، التذكرة ص 123 - 124 . ( 76 ) . محسن الأمين سيرته ص 26 - 31 . ( 77 ) . علي الزين ، من دفتر الذكريات الجنوبية ، المجلس الثقافي للبنان الجنوبي ، الجزء الأول ص 26 . ( 78 ) . سيرته ، ص 40 - 41 .